دليلك اليومي إلى الحراك السوري 

ء | الصفحة الرئيسية  | سكرتيرك الصحفي | اتصل بنا |ء

الثلاثاء 21 - 03 - 2006 

 

·    حلبٌ قَصْدُنا...

·    إهانة جديدة لسوريا وشعبها جبهة خدام بيانوني

·    خدام صديقا للشعب الكردي ...هزلت

·    الإطاحة بالنظام السوري هل أصبحت قاب قوسين أو أدنى؟ وكيف؟

·    الـقومـية الجديدة: 'القطري' أولاً

·    سورية واحدة في الداخل و الخارج

·    طائفية بغيضة

·    الصحوة الإسلامية

·    هل الديكتاتورية لاصق اجتماعي في المجتمعات؟

·    نوروزونا كل يوم

·    قراءة مختصرة للراهن السوري

·    جبهة الخلاص .... هل تصنع الخلاص؟!

·    معركة الديمقراطية في سوريا

·    ميشيل كيلو والتضامن مع سورية والحقد الذي يعمي البصيرة ..

·    فياغرا ....... ومرافقة...... ويا نيالنا

·    ثقافة القمع والتخوين

·    بين العروبة والقومية

·    بشار الأسد يغوص في وحل الرمال المتحركة .. كلما تحرك غاص أكثر

·    جبهة الخلاص الوطني ...المحطة الأخيرة في قطار التغيير

·    في السياسة الواقعية والمواقف المبدئية

·    الفساد في سوريا ظاهرة سياسية بامتياز

·    الإخوان المسلمون والمشاركة السياسية

حلبٌ قَصْدُنا...

2006/03/20 القدس العربي

صبحي حديدي

أحسنت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة صنعاً حين اختارت مدينة حلب عاصمة الثقافة الإسلامية للعام الجاري، ممثلة كامل المنطقة العربية (ولعلّ قرارها كان، كذلك، صائباً في اختيار أصفهان الإيرانية عن آسيا، وتومبوكتو من مالي عن أفريقيا). وهكذا تكون حلب ثاني مدينة عربية تحظي بهذا الموقع المشرّف، مباشرة بعد مكة المكرّمة التي كانت عاصمة العام المنصرم 2005. ولا يفوق بهجة هذا القرار ـ المفاجيء بعض الشيء ربما، قياساً علي رفعة مدن إسلامية أخري عريقة في العالم العربي، مثل بغداد ودمشق والقاهرة ـ إلا ما يلقيه من مسؤولية ثقيلة علي عاتق الذين آل إليهم هذا الشرف.

والقرار اتُخذ قبل خمس سنوات، خلال قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت في العاصمة القطرية الدوحة، الأمر الذي يعني أنّ السلطات الثقافية السورية امتلكت فترة زمنية كافية للتحضير والإعداد والبرمجة، علي نحو ينبغي أن يكفل حسن التخطيط والتنظيم والتنفيذ، كما ينبغي أن يليق بالمدينة العريقة، وبالمناسبة الفريدة. وهذه، غنيّ عن القول، فرصة نادرة (لن تتكرّر مرّة ثانية، للتذكير!) كي يتعرّف العالم الإسلامي علي تاريخ وثقافة وحضارة سورية البلد بأسرها في الواقع، وليس شطرها الذي تجسّده مدينة حلب وحدها. ومن هنا فإنّ العام 2006 ينطوي علي تحدّيات جدّية متعاقبة، لعلّ عددها يساوي تماماً عدد الأنشطة، بحيث تأخذ كل فعالية صيغة تحدِّ قائمة بذاتها.

لكنّ الأجهزة الثقافية الرسمية التي ستتولي التنفيذ ليست، للأسف، مدعاة تفاؤل كبير كما علّمتنا تجارب السنوات الأخيرة. فالأداء متواضع أو بائس أو كارثيّ في مختلف مؤسسات ومديريات وزارة الثقافة، بدءاً من المؤسسة العامة للسينما، التي تعوّض عن هبوط معدّل الإنتاج بارتفاع معدّلات الفساد، مروراً بانحطاط سياسات النشر والترجمة، خصوصاً بعد التقاعد القسري الذي فُرض علي المفكّر الراحل أنطون مقدسي، وانتهاءً بعجائب الإبتذال التي يجترحها مدير ما يُسمّي دار الأسد للثقافة والفنون ، والذي يتردّد أنه القشّة التي لم تقصم ظهر وزير الثقافة السابق محمود السيد فحسب، بل أطاحت به نهائياً! وما دام الشيء بالشيء يُذكر، يكفي أنّ هذه الوزارة الشقية شهدت تبدّل أربعة وزراء خلال خمس سنوات!

البرامج، من جانبها، طموحة تماماً والحقّ يُقال. ففي الجزء الذي يخصّ تاريخ المدينة (التي عرفت غزوات وحصار وفتوح الأكاديين والبابليين والحثيين والميتانيين والفراعنة والآشوريين والفرس والروم والسلوقيين والمسلمين والسلاجقة والمغول والتتار والمماليك والصليبيين والعثمانيين والفرنسيين... وهُدمت وأُعيد بناؤها مراراً)، هنالك محاضرات وأوراق تبدو قيّمة مثيرة، مثل: بين مملكة ماري وحلب، حلب وطريق الحرير، حلب منعطف الحروب الصليبية ، البحث عن طروادة هوميروس، وبين حلب والبندقية.

وفي التاريخ الديني والعقائدي للمدينة، هنالك مساهمات حول ابن رشد وابن عربي وحوار الحضارات بين ضفتي المتوسط، وتصوّف حلب بين السهروردي وابن عربي، التراث الفلسفي الإسلامي في حلب، ودور المطبوعات المسيحية في عصر النهضة، والتسامح الديني من خلال نصوص إسلامية ومسيحية مبكرة. وفي تاريخ المدينة الثقافي وحياتها الفكرية، ثمة بحوث في الأدب الروائي والطبّ والفلسفة والموسيقي والعمارة، وأخري في أعلام المدينة (وهم كثر! بين المحدثين وحدهم نجد عبد الرحمن الكواكبي، خير الدين الأسدي، إبراهيم هنانو، سعد الله الجابري، شكيب الجابري، عمر أبو ريشة...)، وأخري في اللغات، واللهجات، والآثار، والمساجد التاريخية، وأدب الرحلات.

وبالطبع، لا يستقيم الحديث عن حلب دون الخوض، وربما ضرورة الإسهاب، في وصف الحياة الشعرية للمدينة. وهذا الشطر يتضمن عناوين مثل حلب في عيون الشعراء ، المعري في حلب ، البحتري في حلب ، الصنوبري شاعر الطبيعة ومؤرخها ، بين خالد بن الوليد وعمر أبو ريشة و شعراء حلب في القرن العشرين . ثمّ... كيف يمكن لحديث كهذا أن يكون وافياً بأيّ معني، إذا لم يتوقف عند أبي الطيّب المتنبي، صاحب الأبيات الأشهر:

نحن أدري  وقد سألنا بنجدٍ أقصـيرٌ طريقنا أم يطولُ

وكثير من السـؤال اشتياقٌ وكثير مـن ردّه تعـليلُ

كلما رحّبتْ بنا الروضُ قُلنا حلبٌ قَصْدُنا وأنتِ السبيلُ

والحال أنّ ثمة ورقة بعنوان بيت المتنبي في حلب ، وسيجري ترميم البيت خصيصاً لهذه المناسبة، فضلاً عن محاضرة ثانية بعنوان بين المتنبي وخولة . وما دمنا في حديث الشعر فإني لا أخفي انسياقي إلي تلك السطور الشهيرة من قصيدة والت ويتمان تحية أيها العالم ، حيث يلقي الشاعر التحية علي مدن إسلامية عديدة، بينها الجزائر وطرابلس وتومبوكتو وطهران ومسقط والمدينة، وحلب طبعاً. كذلك أتذكّر ذلك المستهلّ الصاعق من قصيدة ناظم حكمت سيرة ذاتية ، والذي عدّه البعض أحد أنبل النماذج الشعرية علي خيانة الطبقة: ولدت في 1902/ولم أعد إلي مسقط رأسي بعدها/ وفي الثالثة خدمت حفيداً لباشا في حلب... .

حلب هذه عريقة عتيقة سامية حاضرة في التاريخ كما في الوجدان، عابرة للحدود والمحيطات والأزمان، والشاهدة علي أحقاب من عمر الإنسانية قلّما قُيض لمدينة أن تشهدها. فهل ستلتقط وزارة الثقافة السورية قفاز التحدّي منذ الأسبوع الأوّل لانطلاق الفعاليات، أم علي العكس: سوف تلقي بالمنشفة أرضاً، وكفي الله بيروقراطييها شرّ القتال؟ إلى أعلى

إهانة جديدة لسوريا وشعبها جبهة خدام بيانوني

نور الدين بدران - صفحات سورية

كما تكون السلطة تكون المعارضة ، سوريا ليست خارج هذه القاعدة ، لا قديما ولا راهنا.

نهاية سبعينيات القرن المنصرم ، مع بدايات تعفن وتحلل النظام البيروقراطي السوري وتضخم أجهزته الأمنية بشكل سرطاني واستشراء هيمنتها على الاقتصاد والثقافة وإلغاء المجتمع وسحق مؤسساته المدنية التي لم تكن تجاوزت حالتها الجنينية ، وتذرير أحزاب المعارضة عبر السجون والقمع والملاحقة ، وحقن أحزاب السلطة الاحتياطية أي ما سمي بالجبهة الوطنية التقدمية بلقاحات الترهيب والترغيب ،في تلك الأثناء كان السيد عبد الحليم خدام أحد مؤسسي هذا النظام وأحد أهم أركانه ومنظريه ، وكان حزب جماعة الإخوان المسلمين وتفرعاته وتفريخاته الصورة الأكثر وضوحا وانعكاسا لذاك التحلل ولكن في الجهة الأكبر مساحة من المعارضة السورية.

هذه الصورة الفاشية الإخوانية كانت الانعكاس الحقيقي للسلطة الاستبدادية المتخلفة ، حيث راح الطرفان يغذيان التطرف والتعصب ويسحقان الشعب السوري تحت ألوية صراعهما الدموي ، وكلاهما كانا (وأجزم اليوم أنهما مازالا) بريئين من جميع شعاراتهما وإيديولوجيتهما.

لقد أحبط الوعي الشعبي السوري وقواه المتنورة ، مشروع الحرب الأهلية لكنه لم يتمكن من إلغائه كليا، بحكم قوة الوحشين المتصارعين اقتصاديا وعسكريا وتحالفات كل منهما إقليميا ودولياً، وهكذا عاشت سوريا حربا أهلية نسبية محدودة على طريقة الحرب الباردة ، أو نوعا من حرب المواقع، لكن كانت الفاتورة على حساب سوريا وشعبها وبالأخص قواه المتنورة ومثقفيه ومبدعيه.

اليوم أيضا كما تكون السلطة تكون المعارضة، فهذه الميوعة والتذبذب بين الإصلاح والبقاء في الخط القديم ، والشطارة الغبية في المماطلة والمتاجرة العتيقة بالشعارات والخطابات ، من جانب السلطة وعدم اتخاذ طريق واضح وحازم في مواجهة الاستحقاقات الواقعية على جميع الأصعدة السياسية وافقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي مجالي السياستين الداخلية والخارجية ، كل هذا يعكس نفسه على صفحة مستنقع المعارضة الذي يحتل الإخوان المسلمون أوسع حيز فيه ، على الأقل عدديا أو كميا.

لكن الاستنقاع والميوعة والتذبذب أيضا تعكس نفسها على الحيز الباقي الذي تتناثر عليه بشكل فسيفسائي قوى المعارضة التي تدعي العلمانية والديمقراطية وهي بمعظمها لم تخرج عن ارتهان ساذج وتعلل مجاني بأوهام تتعلق إما بالإخوان أو بالنظام.

اليوم تمر سوريا بأسوأ الظروف داخليا وخارجيا ، يأتي لقاء السيدين خدام- بيانوني ليعبر عن الواقع السوري ، بأنه اللقاء الأسوأ بين أسوأ طرفين عانى منهما الشعب السوري.

أقول وليس على سبيل الاستدراك ولا العزاء، وإنما كحقيقة هناك إيجابية كبرى في هذا اللقاء ، ولكن لمن يقرأ ، وهي حقيقة أكدتها التجربة المجبولة بالدم والوحل والعار أن الطرفين : النظام والإخوان ليسا إلا وجهين لعملة إرهابية استبدادية واحدة ، سواء لبسا أزياء السلطة أو جلباب االمعارضة، وليس المراهنون سابقا ولاحقا من قوى تدعي العلمانية والديمقراطية .......إلخ على أي من الطرفين إلا صورة عن الغباء السياسي السوري النادر.

إن مراجعة البيانوني وحزبه للتجربة المرة ،لا تختلف عن مراجعة خدام ومن يلتحق به ، وليس مصادفة أن يلتقيا ولا عرضا أن يتاجر كل منهما بآمال وأحلام الشعب السوري ، بل كل ذلك استمرار طبيعي لماض أسود لن يتم غسله بمائه الوسخ ، وإنما يحتاج إلى أجيال جديدة متنورة ومستقلة عن ديناصورات العهد القديم ، سواء في السلطة أو في المعارضة على حد سواء.

أما المستسهلون من القوى الأخرى كسذّج إعلان دمشق ، فسيكتشفون عاجلا أو آجلا أن التغيير عملية أعقد وأطول من بياناتهم الأكثر سذاجة من رسالة يكتبها مراهق في المرحلة الإعدادية لحبيبة متخيلة.

الحوار المتمدن إلى أعلى

خدام صديقا للشعب الكردي ...هزلت

عصام حوج

خاص – صفحات سورية –

إذا كانت الإثارة والمفاجأات من ميزات الظرف السياسي الراهن , فإنها لدينا نحن الكرد ذو طعم خاص ونكهة خاصة , تدعو إلى الضحك لدرجة القهقهة أحيانا , والبكاء إلى حد العويل , أحيانا أخرى , ومن آخر مفاجأاتنا نحن أبناء الجن كما يسموننا , هو ماحدث في مؤتمر واشنطن لدعم الحقوق الإنسانية والقومية للشعب الكردي , أقول ماحدث , لان المؤتمر بحد ذاته , مكان انعقاده وتوقيته , والجهة الراعية له , ليست مفاجأة في مرحلة يكاد البعض يجعل من البيت الأبيض كعبة الديمقراطية ,لدرجة التفكير بتعليق صور جورج بوش في بيوتنا بدل تمثال كاوا , وسماع أغاني مادونا بدل شفان , وحفظ إبداعات غوبلز ورامسفيلد عوضا عن قصائد جكرخوين وشيركو بيكس .... ومن يعترض على ذلك فهو ذو فكر شمولي , عميل السلطة , متخلف, إرهابي ,ملعون الأبوين .... وبالعودة إلى ماحدث في مؤتمر واشنطن واقصد تحديدا قراءة الأستاذ صلاح بدر الدين لرسالة الديكتاتور سابقا والديمقراطي حاليا السيد عبد الحليم خدام ( لقب السيد نكاية بالأطرش طبعا ) في المؤتمر , والذي يبث فيه لواعج نفسه الرقيقة,وعواطفه النبيلة تجاه الشعب الكردي . ولمن لايعنون بحفظ الأسماء نقول صلاح بدر الدين سياسي كردي مخضرم وماركسي لينيني سابق, وعدو أول للامبريالية والصهيونية كما كان يقدم لنا على مدى عقود من الزمن , وكانت المنح الدراسية من الدول الاشتراكية السابقة متوفرة لديه أكثر من بعض الأحزاب الشيوعية , وانتقل مع من انتقل إلى مواقع ومواقف أخرى .... كل ذلك بات من الأمور شبه المألوفة , بقوة الأمر الواقع في مرحلة خلط الأوراق وضياع المقاييس ,أما ماهو غير مألوف هي محاولة تسويق خدام كرديا , بعد أن سوق طائفيا اثر لقاءه البيانوني , وفتوى هذا الاخيرعن إمكانية توبة خدام عما اقترفه من مثالب إثناء وجوده في الصف الأول من السلطة, لقبوله في صفوف المعارضة ,وكأن هناك من يريد رسم لوحة محاصصة طائفية عرقية في سوريا محاكيا النموذج العراقي .... وإذا افترضنا حسن النية وقلنا إن هذه قناعات هذه الفئة من القوم , فان ما نتمناه هو ألا يفعلوا ذلك تحت ستار الديمقراطية وحقوق الإنسان , والتباكي على ضحايا أحداث حماة , والقامشلي... فالديمقراطية تتناقض على طول الخط مع الانقسام الطائفي والقومي ومبدأ المواطنة , اللهم إلا إذا كانت ستارا لاستراتيجيات أخرى بدأنا نجد ملامحها في العراق , نقصد استراتيجيات التفتيت , وإذا كنا نجد في العراق بداية المأساة , فإنها ستتجلى في الظرف السوري كمسخرة بكل تأكيد لعوامل واعتبارات ليس الآن مجال بحثها

إن الصراع الدائر في سورية اليوم لم يكن يوما ما ولن يكون صراع قومي ,أو ديني ,أو مذهبي, ومن يريد إن يقدمه بهذه الصيغة إنما يريد التغطية على جوهر الصراع , الذي هو صراع بين الناهب والمنهوب , بين القامع والمقموع , بين الوطني واللاوطني, وبالتالي فالعمل وفق منطق البيزنس الطائفي والقومي , لايمثل إلا مصالح تلك النخب السياسية والثقافية التي تتكأ أصلا على ما نتج عن التطور المشوه للواقع الاقتصادي والاجتماعي ومستوى الديمقراطية في البلاد جراء السياسات المتبعة من قبل السلطة على مدى عقود , والتي أحيت كتحصيل حاصل تلك البنى الاجتماعية التقليدية ( المذهب , الطائفة , والقبيلة والعشيرة , والتعصب القومي ), باتجاه قوننتها , فالديمقراطية المزعومة هذه هي استكمال لمشروع نتج عن جوانب من سياسات السلطة أصلا ,وفي هذه الحالة هي موضوعيا تصب في ذات الاتجاه , وليست قطيعة معه , والمواطن السوري لايهمه اسم الناهب والمستبد, ودينه ,وقوميته, ومذهبه بقدر ما يهمه تغيير الواقع باتجاه تأمين كرامته, وأي تغيير اذا اخذ مثل ذاك المنحى يمكن أن يسمى بأي اسم إلا اسم التغيير الديمقراطي بل هو استبداد من طراز آخر يستعيض عن الكرباج بالفيتو الطائفي , الذي سينتج موضوعيا نقيضه أي فيتو الطائفة الأخرى لتنتج في المحصلة تجاذبات طائفوية أو قوموية , يضع الكل الطائفي والقومي بمواجهة الكل الآخر وهذا ما يتناقض مع المنطق , والعقل فبين أبناء كل جماعة قومية او دينية او طائفية من استبد ,ومن نهب بطريقته ووفق مصالحه والأمثلة أكثر من أن تذكر في هذا السياق.

إننا نعتقد إن الكرد السوريين كما كانوا ضحية السياسة الاقتصادية الاجتماعية وما نتج عنها من بطالة وفقر وقهر مثل أغلبية الشعب السوري كحالة سورية عامة,وسياسات التمييز القومي, وإنكار الوجود كحالة خاصة ,فانهم في نفس الوقت ضحايا بعض النخب السياسية الكردية المأزومة , وبعض النخب الثقافية التي فشلت في المجال الإبداعي وانتقلت إلى الحقل السياسي وبدافع مصالح آنية مفترضة أو على الأقل قراءة خاطئة للوحة السياسية الراهنة إلى مواقف ومواقع تدفع الشعب الكردي إلى منزلقات خطيرة تؤثر على علاقته مع شركاء الوطن والتاريخ والجغرافيا

لقد أكد غالبية الكرد السوريين , - ولا أقول الكل- على انتماءه الوطني السوري , وساهموا مثل غيرهم من أبناء سورية في معارك النضال الوطني والاف الشهداء الكرد منذ معارك الاستقلال وضد الأحلاف وحرب 48 وحرب 67 وحرب تشرين وحرب لبنان أدلة دامغة على ذلك , وهم الرد الواقعي على كل ماأبدعه العقل الشوفيني السلطوي على مدى عقود من اتهامهم بالانفصالية بلغة تعميمية منافقة , وإذا كان سلوك هذا العقل الشوفيني مفهوما , فان ماهو غير مفهوم هو سلوك بعض النخب الكردية وبالأخص تلك التي ظهرت بعد الاحتلال الأمريكي في العراق , و تناسلت بعد أحداث القامشلي بين الجاليات الكردية في الدول الغربية , وباتوا يتحدثون باسم الكرد السوريين ويحاولون الدوس على ذلك الارث أي انهم في المحصلة يعملون موضوعيا على اثبات ما عجزت عن اثباته العقلية الشوفينية في السلطة , ليس عن طريق الجلوس بين احضان البنتاغون فقط , بل بتسويق ذلك النوع من المعارضة التي تتباهى بالتغيير بمباركة أمريكية أو ما يصب باتجاه تنفيذ المشروع الأمريكي على اقل تقدير إلى أعلى

الإطاحة بالنظام السوري هل أصبحت قاب قوسين أو أدنى؟ وكيف؟

الطاهر إبراهيم

ما يزال الغموض يكتنف نواحي كثيرة مما يود المحلل للوضع السوري أن يلقي الضوء عليها، في طريقه إلى تمييز ما هو حقيقي عما هو أماني . وهو ليس غموضا بناء، بل هو غموض ملتبس من زوايا كثيرة يود الدارس لو يقف فيها جميعها أو أكثرها، ليصور منها الواقع السوري من مختلف نقاط النظر.

فلم يعد يمكننا القول أن الإدارة الأمريكية حريصة على بقاء النظام السوري كما كان الحال منذ بداية الرعاية عند مجيء الرئيس الراحل "حافظ الأسد" إلى الحكم في عام 1970 . كما لا يمكننا القول أن الإدارة قد نفضت يدها نهائيا من هذا النظام، سواء لاعتبار أن النظام ما يزال له دور يمكن أن يلعبه وترغب فيه واشنطن، أوخوفا من بديل غير مرغوب فيه، وهو ما يجعل موقفها من النظام يصدق عليه المثل السوري "عيني فيه، وتفو عليه".

وإذا كانت واشنطن لم تنفض يدها بعد من نظام دمشق، فما هو مؤكد أن الشعب السوري قد نفض يده نهائيا من صلاحية هذا النظام للبقاء في السلطة، ليس في عهد الرئيس بشار الأسد فحسب، بل منذ الأيام الأولى لاستلام حزب البعث الحكم،لأنه نظام قمعي وفاسد أولا، ولأنه لا يمتلك مقومات النظام الذي يستطيع أن يدافع عن مصالح الوطن ثانيا.

صحيح أن الشعب السوري ما يزال يجهل الأسلوب الناجع لطرد نظام البعث من السلطة، ولكنه ما يزال يتطلع إلى من يقوم بذلك. حتى إنه ،لفظاعة ما قاسى من قهر واستبداد هذا النظام، أصبح قطاع من هذا الشعب ليس بالقليل لا يهمه من سيقوم أو يساعد على الخلاص ، إذا تأكد له أن ذلك لن يقترن بانتقاص في حقوقه وحقوق الوطن. بل إن البعض لا يمانع أن تفعل ذلك واشنطن، إذا التقت مصالحها مع مصالحه. فهي ليست هيئة إغاثة، ولا تعمل لوجه الله، وإنما تعمل وفق مصالحها.

ولكن ما هو ملاحظ على ساحة السعي للإطاحة بنظام حزب البعث، أن كثيرا من الكتاب والمعارضين بدؤوا للتنظير فيمن سيخلف هذا النظام سورية بعد رحيل حزب البعث، وكأن الغطاء الأمريكي قد رفع عنه فعلا، وأن سقوط نظام حزب البعث أصبح مسألة وقت، وأن المذيع بدأ في التدرب على إلقاء البلاغ رقم "واحد" من الإذاعة والتلفزيون،مع أن المثل عند الفقهاء يقول "أثبت العرش وبعدها انقش".

ومع أن أخطاء رموز النظام السوري أخذت تتراكم فوق بعضها لتشكل "حالة" محسوسة في طريق انحدار هذا النظام نحو المجهول، إلا أن الحساب الصحيح يقتضي أن نأخذ بجانب الحذر، وأن نبتعد عن الجزم بأن ذلك كائن قولا واحدا. بل الصحيح أننا نعيش ،في أحسن الحالات، في مرحلة الشك التي يتساوى فيها "نعم ولا" بدون زيادة أو نقصان. لأن اللاعب الرئيسي،وهو أمريكا، ما يزال يعتقد أن نظام حزب البعث ما يزال النظامَ الذي يستطيع أن "يدفع أكثر"، فلماذا تغامر أو تقامر؟ وإن كانت تحاول أن تظهر خلاف ذلك.

ومع وضوح هذه القضية أمام المحلل السياسي، فإن مجرد الانسحاب السوري من لبنان، والإشارة بإصبع الاتهام إلى تورط النظام السوري في اغتيال "الحريري" بعد اعتقال كل الذين كانوا يقودون الأمن في لبنان وكانوا محسوبين على النظام السوري، جعل الكثيرين يعتقدون أن الإطاحة بنظام حزب البعث أصبحت قاب قوسين أو أدنى.

ولذلك فقد بادر بعض الطامحين إلى ركوب موجة التغيير، ودخول بورصة من سيستلم الحكم تاليا. فبدأنا نشهد نشوء أحزاب سورية جديدة، تكاثرت كما يتكاثر الفطر في يوم شاتٍ كثير الضباب، خصوصا في بلاد أوروبا وأمريكا. مع أن بعض هذه الأحزاب لم يتجاوز أعضاؤه أفراد أسرة رئيس الحزب فقط.

وبدلا من أن تتداعى الأحزاب المعارضة في داخل سورية وخارجها إلى اللقاء والبحث في كيفية ضم قواها إلى بعضها، في مسيرة الإطاحة بنظام حزب البعث، كما فعلت بعض قوى "إعلان دمشق"، بدأنا نرى البعض يهمه معرفة اسم البديل السياسي أكثر مما يهمه حصول التغيير في سورية.

ابتداء، لا يلام المواطن السوري ،وخصوصا من اكتوى بظلم وقمع وتسلط أجهزة الأمن، أن يقول في رموز النظام السوري ما لم يقله مالك في الخمر. فقد شرع الله تعالى ذلك فقال "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِم".وهذا المبدأ يندرج على السيد "عبد الحليم خدام" يوم كان رمزا فاعلا في نظام "حافظ أسد"، حيث كان مشروعا أن تبين إساءاته، كما يندرج على كل الذين أساؤوا إلى المواطنين وأفسدوا.

واستطرادا فقد رأينا الجميع يسكت عن إساءات رموز السلطة. فإذا ما اعتزل هذا الرمز أو ذاك، أوأقصي عن منصبه، فأراد أن يصحح مسيرته من جديد، سلط عليه النظام أبواقه قبل أن يبدأ بكشف مخازيه مثلما حصل مع "عبد الحليم خدام". وللأسف فالبعض قد انطلت عليه حيلة النظام فانساق وراءه، مع أن القرآن ينص ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم)(الآية 24 من سورة المائدة)، والمروءة تقتضي أن نرحب بمن تاب، بل ونعفو عنه، ما لم يكن حقا شخصيا، فإن لصاحبه أن يطلبه أمام القضاء.

واستطرادا فالذين يدعون إلى تغيير النظام في سورية، فإن استنكارهم قيام جبهة أو أكثر مكونة من فصيلين أو أكثر تتضافر جهودهم في السعي للخلاص الوطني، ولو اختلفوا معهم في الرأي، فإنه لا يعني إلا إبقاء الجميع مشتتا، وهو ما يريده النظام في دمشق.

فإذا كانت رغبة الجميع هو إقصاء النظام الاستبدادي عن سدة الحكم، فينبغي أن نبارك أية خطوة لضم جهود المعارضين في سبيل إنهاء تفرد النظام الحالي بالحكم وإعادة الأمر إلى الشعب السوري ليقول كلمته بعد تغييب له دام أكثر من أربعة عقود.

وفي هذا السياق، فإن اللقاء الذي تم في "بروكسل" يوم الجمعة 17 آذار "مارس" الحالي بين المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية المحامي "علي صدر الدين البيانوني" وبين "عبد الحليم خدام" نائب الرئيس السوري السابق،وحضره معارضون سوريون آخرون ،وأعلن فيه تأسيس "جبهة الخلاص الوطني"،إنما هو خطوة على الطريق، يمكن لمعارضين آخرين أن ينضموا إليها أو أن ينسجوا على منوالها.

كاتب سوري

"الرأي / خاص" إلى أعلى

الـقومـية الجديدة: 'القطري' أولاً

أكرم البني

درج في الآونة الأخيرة استخدام شعارات "سوريا أولاً" أو "لبنان أولاً" أو الأردن أو فلسطين، وهي موجة جديدة من الشعارات تكشف للوهلة الأولى، عمق الأزمة التي تعتمل في الفكر القومي العربي عندما تتخلى نخبه عنه، ومنبته ومهد تطوره في بلدان المشرق، وتعلن التحول في اتجاهات المحلية والوطنية. والحقيقة أن شيوع رغبة سياسية يصح اعتبارها شعبية الى حد ما، في تأخير البعد القومي وتقديم الهم الوطني، وتالياً التوجه صوب مزيد من بلورة برامج التنمية المحلية قبل الحسابات والروابط الإقليمية والعربية، ليس فعلاً تآمرياً استعمارياً، وأيضاً لم يظهر بشكل فجائي أو يهطل من سماء صافية، بل هو أمر مبرر له سياقاته وحيثياته ويمكن ربطه أساساً بعاملين. عامل ذاتي يتعلق بطبيعة الوعي الجديد الذي اكتسبته النخب التي تقود التيارات السياسية والثقافية في ضوء ما حصل من مستجدات عالمية وإقليمية، ربطاً بالنتائج الهزيلة والآثار السلبية المثيرة للقلق التي حصدتها تجربة سنوات طويلة من تغليب النضال القومي على ما عداه، لجهة فشل تجاربه التاريخية المختلفة، وعجزه عن معالجة ما آلت إليه أوضاع المجتمعات العربية من بؤس وتردٍ وخاصة في فلسطين والعراق.

وعامل موضوعي يعود، في ضوء خواء ما طرح من مشاريع تعاون عربية، الى ما صارت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية من تميز في كل مجتمع على حدة، ما أدى الى مزيد من تبلور الخصوصية القطرية وانحسار القواسم المشتركة أمام اتساع مساحة التفاوت، وتالياً اختلاف حوافز تطوير كل بلد وطابع مشكلاته وسبل معالجتها. إن تنامي الهوية الوطنية أمر مفسر ومفهوم وبات من المشروع والطبيعي لكل مجتمع أن يحرر نفسه من أعباء الالتزامات الإقليمية أو العربية طالما لا تساعده في معالجة أزماته الداخلية بل ربما تفاقمها، وتالياً لم يعد من المبرر حرمان أي بلد مهما كان صغيراً ومحدود الإمكانات، حقه في القبض على أوضاعه الخاصة، تحت ذريعة أولوية الخيار القومي وضرورة الالتزام به، خاصة أن التجربة العيانية للرهان القومي تبرهن كيف تحول أكثر من بلد ضعيف ريشة في مهب الريح تتضاربها مصالح الأطراف الأقوى مهددة سلامة حاضره ومستقبل أجياله. لكن في المقابل لا تسوّغ هذه المشروعية أبداً اللجوء الى الإطلاقية وارتفاع أصوات تدعو الى القطع وفك الارتباط التام بين الأوضاع المحلية وأحوال المنطقة وصراعاتها الملتهبة، مثلما لا تبرر للذين آمنوا بالفكر القومي واكتووا بنار الهم العربي هذا الانتقال السهل والسريع من عارضة توازن الى أخرى ومن تطرف الى تطرف، وإهمال حقيقة الترابط العضوي والعميق للمسارات السياسية والتنموية في مختلف بلدان المنطقة.

يصح القول إن أحد أهم مثالب الفكر القومي في المشرق العربي أنه إيماني وعفوي أكثر مما هو واقعي وموضوعي، هو تجريدي وعاطفي إن صحت العبارة، لا يملك أساساً في البنية التحتية ولم يحظَ بقوى اجتماعية لها مصلحة عميقة في مقاومة التمزق وإزالة الحدود القائمة. وبعبارة أخرى فالقومية كرؤية فكرية للمثقفين العرب لم تفرضها حاجة الواقع الملموس بل ولدت كحافز نضالي تحرري في مواجهة فكرة الخلافة العثمانية ثم تبلورت أكثر بنشوء وتبلور الفكرة القومية التركية منذ مطلع القرن العشرين، وتالياً لم تحملها قوى وطبقات لها طموحات اقتصادية في تحرير سوقها الداخلية والاستقلال بها وإنجاز مشروعها الاقتصادي والسياسي الوحدوي، الأمر الذي وسم ممارسات النخب القومية بهذه السمة وأكرهها على الاندفاع لتعويض هذا النقص، هروباً الى الأمام نحو أولوية القومي. وبدل حل المشكلات والهموم المحلية وايلاء التنمية الوطنية حظاً أوفر من الاهتمام تفشت الدعوة لقضية أو مشكلة عربية تأجلت من أجلها جميع المسائل القطرية حتى الملحة منها، خاصة استحقاق التغيير الديموقراطي، فكانت الريادة لشعارات الوحدة العربية وقضية فلسطين في الأمس، ثم فلسطين والعراق والسودان اليوم. والأنكى حين لمس المواطنون العرب لمس اليد كيف استخدمت العقيدة القومية مطية من قبل غالبية الأنظمة العربية لتسويغ الاستبداد وتعزيز سلطانها واستئثارها بالامتيازات والمغانم!!

لكن في المقابل يصح القول أيضاً أن التنمية الديموقراطية هي عملية مترابطة في البلدان العربية ومجتمعات المشرق العربي بصورة خاصة، ولا يمكن أياً كان أن يتجاهل ذلك أو يغفله، فيخطئ من يهمل مثلاً، ارتباط مستقبل بلدان المشرق العربي بمسيرة العملية السياسية في العراق، خاصة إن تمكنت الدولة الجديدة من إحياء مبدأ المواطنة على حساب الخيارات الطائفية وفرض جدول زمني لانسحاب قوات الاحتلال. مثلما يخطئ من لا يتلمس الآثار المميزة التي يمكن أن يخلفها حراك الشعب اللبناني ونجاحه في بناء اجتماع وطني ديموقراطي يحتضن تنوعه الفريد، أو نجاح الانتخابات الفلسطينية وميل الشعب الفلسطيني الى تكريس العمل السياسي وقواعد التعددية واحترام حقوق الإنسان كطريق رئيسة لإدارة شؤونه ولانتزاع حقوقه المغتصبة أيضاً، أو في حالة حصول تغيير ديموقراطي في سوريا، وقِسْ على ذلك الكثير من الأمثلة والحيثيات.

بين الهوية الوطنية والنضال القومي حلقة ترابط يجب التنبه لها والتعامل معها بمنتهى الدقة والوضوح وعلى أساس من الشركة الندّية وتكامل المصالح، فاعتبار الوطنية أولاً، ليس شعاراً خاطئاً أو ضاراً، وهو لا يعني أبداً التخلي عن الهوية القومية أو تذويبها، خاصة أن معظم دعاته لم يغفلوا دورهم القومي بل يطالبون بممارسته بالصورة الأجدى والأنجع، وهي الحقيقة التي أكدتها تجاربنا المريرة بأن الوحدة العربية الأقوى والأعز هي وحدة التكوينات الوطنية القوية والعزيزة، لا وحدة تكوينات ضعيفة ومهلهلة، فأن تكون قومياً جيداً يعني أن تكون وطنياً جيداً!!.

ثم أن ثمة أساس موضوعي يتنامى اليوم ويشتد في مشروع الشركة بين المجتمعات العربية، لا يعود فقط الى التاريخ المشترك وروابط اللغة والأرض، وإنما أيضاً الى الشروط الجديدة التي تسم المناخات الدولية الراهنة، فما يشهده العالم من بناء التكتلات السياسية والاقتصادية الكبرى يؤكد استحالة نمو وبقاء الكيانات الصغيرة، الأمر الذي يتطلب بداهة تجميع كل الموارد والطاقات الاستثمارية العربية وتقاسم أعباء النمو، وتالياً تجاوز النظرة والحلول القطرية الضيقة نحو تضافر كل الإمكانات والكفايات كطريق لا غنى عنها للارتقاء بالمجتمعات العربية عموماً وتعزيز حضور كل مجتمع على حدة.

مثل هذه الطريق يفترض أن تبدأ بمراجعة نقدية للفكر القومي بقصد تحريره من جملة التباسات أحاطت به، ومن أخطاء واندفاعات بالغة الخطورة ارتكبت باسمه، وأساساً لتحريره من نزعة إيديولوجية حولته الى عصبية شوفينية لا إنسانية والى خندق مواجهة وإقصاء أو الى شكل من أشكال العقيدة المقدسة أو نظرية فلسفية، إن صحت العبارة، تدّعي القدرة على محاكاة النظريات الفلسفية العالمية، وحتى التفوق عليها.

والأهم أن مستقبل الفكر العربي، بل مستقبل العمل القومي برمته، ونخص بداية بلدان المشرق العربي، مرهون اليوم بقدرته على منح الأولوية لعملية التغيير الديموقراطي والتنمية السياسية الوطنية، ولاكتشاف سمات لعلاقة جديدة بين الهوية الوطنية والبعد القومي، تنمي الاهتمام الموازي الضروري بالمسائل المشتركة في المنطقة وقضايا العالم المتغير. لكن هذه المرة دون أية مقايضة على الديموقراطية أو التضحية بها على مذبح الفكر القومي أو خلق حالة تعارض وتناقض بينهما. فالديموقراطية، هي الضمانة الرئيسة لفتح أوسع الآفاق أمام هذا الفكر، ليس فقط لاتصال مسألة الحريات العامة والخاصة والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية بإبراز جوانب معاناة الإنسان العربي المشتركة، وليس لان الديموقراطية بما توفره من مشاركة شعبية واحترام لكرامة البشر هي الصيغة الأسلم للعلاقة بين الحاكم والشعب فحسب، وإنما أيضاً لان الديموقراطية هي ضمانة الوحدة الوطنية المهددة داخل عدد من بلدان المشرق العربي، كما هي السبيل الصحي الى تحقيق التشارك والتضامن وربما الوحدة بين هذه البلدان أو بعضها، باعتبارها تفسح في المجال لإرادة الغالبية الشعبية كي تقول كلمتها بحرية وتظهر ما يعتمل في صدرها من مواقف وأحاسيس قومية ووحدوية. ربما لن يطول الزمن حتى نلمس من جديد في منطقتنا المشرقية، مجتمعات وطنية تعرف جيداً كيف تنطلق وهي بكامل صحتها وعافيتها، من الانغماس في هموم بلدانها الخاصة نحو المشترك العربي، على أمل تحسين شروط حضورها وحياتها وتكامل قدراتها لجسر الهوة مع العالم المتقدم التي يهدد توسعها بخروج هذه المجتمعات من التاريخ.

(دمشق)

كاتب سوري

النهار إلى أعلى

سورية واحدة في الداخل و الخارج

نشات النادري

قد يبدو للبعض للوهلة الأولى أن العنوان يدل على وحدة الصف و قوة اللحمة الوطنية لسوريا حاكمين و محكومين ولكن الواقع هو على النقيض تماماً.

أعيش في واشنطن منذ ثلاث سنوات و بدراسة بسيطة للجالية السورية هنا و مقارنتها بمكونات المجتمع السوري في الداخل أدركت وحدة السيكولوجيا الإجتماعية و الإيديولوجيا الفكرية التي تجمع الفئتين.

ولدى التواصل مع الدبلوماسية الرسمية السورية هنا في واشنطن و بعثتنا الدبلوماسية في نيويورك و سماع أخبارهما و مقارنتها مع دبلوماسيتنا الرسمية في دمشق و ماهية نظامنا السياسي و آليات تنفيذ صلاحياته أدركت أيضاً بما لا يدع مجالاً للشك وجوه التشابه الكلي الذي يصل إلى حد الإستنساخ السياسي رغم البعد الجغرافي للأراضي التي تمارس عليها هذه السلطات.

من هنا خلصت إلى أن سورية في الداخل كما هي في الخارج، فكل ما سبق قد لا يكون خافياً على أفراد النخبة المثقفة و خاصةً المغتربين منهم لأنهم يستطيعون إجراء المقارنة كل يوم و قد يتلمسون التشابه المطلق بنظرة سريعة لواقع الامور.

لكن الجديد بل الغريب جدا في الامر أنه بمناسبة المؤتمرالوطني للمعارضة السورية الذي أقيم في واشنطن زارني احد المؤتمرين و أقام لدي لفترة بعد فعاليات هذا المؤتمر و من خلال هذه الزيارة و بعض اللقاءات و جدت أن المعارضة السورية في الولايات المتحدة و كندا موحدة أيضاً......

نعم إنها موحدة أيضاً و لكن على ماذا....؟

للأسف أنها موحدة على تبادل الخلافات الذي يصل إلى حد ممارسة الإلغاء و الإقصاء بل و التهديد أيضاً...

ولو حاولنا في عرض سريع رسم الخطوط العريضة للمعارضة السورية في الخارج لوجدنا ان المتنفذ منهم لدى الإدارة الأمريكية يحاول أن يكون بمنأى عن الخلافات حفاظا على استراتيجيات تم رسمها بعناية، واية تجاذبات مع اطراف اخرى قد تؤدي الى تاخير تحقيق الاهداف المرتقبة، وآخر يحاول اللعب على اوتار انه ذوي أصول دينية وان له بعض القواعد هنا و هناك و لديه المال و المعارف مدعي الثقافة السوربونية المعاصرة، والبعض الجديد يدعي انه زعيما جديدا للمعارضة بعد ان كان احد امراء الموالاة متسلحا بان خيوط الاصلاح البعثية تتجمع بين يديه ناهيك عن وفرة المال والنفوذ داخل وخارج اوروبا متخذا الدفاع عن حقوق الاقليات شعارا جديدا رغم عدم اقتناعه بذلك.

ولكن كل هؤلاء لا يتورعون رغم وجودهم في الولايات المتحدة واوروبا عشرات السنين عن ممارسة التهديد السياسي فيما بينهم عندالإختلاف في الشئ رغم ان هذا يعتبر خرقاً للقانون الدولي و لو كان بأبسط الأشكال.

بدأت أستغرب التناقض السياسي لديهم بممارسة المحظورات التي يتهمون السلطة في الداخل بممارستها مخالفين بذلك ( لا تنهى عن فعل و تأتي بمثله ).

أما معارضة الداخل فهي أيضاً لا تختلف بالمجمل عن السلطة.

قسم منها مدجن بالأفكار الإشتراكية القديمة التي لا طائلة من تحديثها و لا بأبرع برامج المايكروسوفت فهي وقفت عند عام 1956 و تابعت بناء أفكارها من تلك النقطة الزمنية.

و قسم آخر غني يتخذ من المعارضة شعاراً جديداً لتحديث نمط العيش في عصر العولمة و يعتبرها إستكمالاً لبريستيجه الشخصي و بدلته السينيه كما أنه لا يمانع دفع فواتير و تكاليف بعض إستحقاقات المعارضة الديموقراطية هنا و هناك.

القسم الاكبر من هذه المعارضة هو قسم فقير محمل بكثير من الأفكار و المبادئ الحقوقية و السياسية جزء منها أخرق و الآخر نبيل و صعب التحقيق و لكنه ليس مستحيل.

بيد أنه و بدافع الفقر يقع البعض منهم في فخ الشراء من السلطات القمعية السخية.

وبطبيعة الحال لا يجب أن يفهم بأن ماسلف ذكره هو موقف من السلطة أو المعارضة أو تغليب لكفة إحدى الجهات على الأخرى فكلاهما ضعيف و مخترق من الآخر.....كلاماً قد يبدو خطيرا و لكنه حقيقي.

في الخلاصة و في محاولة لإستعراض بعض العبر فان سورية واحدة و موحدة : معارضة و موالاة و أفراداً في الداخل و الوسط و الخارج.

إن هذا يدل على مرض مزمن يعاني منه بداية الفرد السوري الذي ُكرََّس لديه مبادئ تحكم حياته و مصيره على مدار نصف القرن الماضي تتراوح درجة نذالتها بين الخيانة إلى الكذب، و من النفاق إلى الشعوذة و من الفساد إلى السطو المسلح.

كلها صفات على تفاوت درجاتها يتمتع بها المواطن السوري البرئ في داخله ( و أنا منهم ) و المريض في واقعه لكن الطامة الكبرى أننا نفخر بهذه الصفات و لا ننفك عن ترديد الشعارات الجوفاء التي تشيد بخصالنا النبيلة وتاريخنا الحافل الذي ورثناه عن الأجداد و لم يبق منه الآن سوى الأسماء و التي تتراوح على عكس ما سلف بين الوفاء إلى الصدق و من الصراحة إلى الحقيقة و من النزاهة إلى الأمانة حيث اننا ننفذ ماقاله هيغل ان القسم الاكبر من الكذب ياتي عبر المؤرخين.

بدات اشك مؤخرا بامجاد التاريخ جملة وتفصيلا.

أرجو أن ُيفهم هنا أني لا أتهم 17 مليون سوري بالنذالة بل أنا أحمّل النظام مسؤوليته التاريخية عن تلويث شعبه و أفراد حكومته بفيروس الكذب و الفساد و أخيراً اللاواقعية.

هل ترون معي أن من ولد على أرض سورية بعد عام 1963 يعاني من هذا الداء حتى و لو عاش خارجها دهراً.

أتمنى أن نتمكن خلال نصف القرن القادم من رؤية هذا الفيروس و نحاول عزله و من ثم معالجته بعيداً عن المضادات الحيوية الأمريكية فاعلة التأثير.

الولايات المتحدة

ايلاف إلى أعلى

طائفية بغيضة

ميشيل كيلو

الجميع يلعنونها، ويعلنون براءتهم منها، ويرفضون الانتساب إليها، ويرون فيها أعظم الشرور، لأنها نقيض كل ما هو وطني ومجتمعي وإنساني، ولأن سيطرتها تعني قتل الهيئة الاجتماعية وموت وجدان وضمير الفرد، وانهيار الوعي العام، والإجهاز علي الحرية.

إنها الطائفية، التي لا يذكرها عربي أو مسلم إلا ويقرن بها لفظة البغيضة ، ولا يتحدث أحد عنها إلا ليعتبرها دليلا دامغا علي ما آلت إليه من سوء أحوال أمة كانت تجتاز حقبا وطنية وقومية، انقلبت فجأة ـ وبقدرة قادر ـ إلي حقب طائفية، فانقلب معها كيان العرب رأسا علي عقب، وأصيب بأمراض أنهكتهم ووضعهم بعضهم في مواجهة بعضهم الآخر، وجعلتهم يقومون شؤونهم بأسس ومعايير لا تستقيم معها حياة الجماعة ووجود الفرد، أدت إلي هلاك الدولة، وفصم عري المواطنة، وتفرق المجتمعات وتشتت الأسر: هي أسس ومعايير الطائفية البغيضة، التي يعتقد بعض العرب أنها لا تكون خطيرة إذا لم تتجسد في نظم، ويؤمن بعضهم الآخر أنها لن تصير نظما إن لم تستحكم قبل ذلك في النفوس، وتتغلغل إلي العقول، وتنجح في تحويل الأولي إلي كهوف للقسوة والظلم، والثانية إلي مصانع للإجرام وكره الآخر، خاصة إن كان مواطنا من طائفة أخري، أي شخصا مرشحا للقتل لأنه إما عدو أو مشروع عدو.

رغم سيادة الطائفية، ليس بين العرب شخص واحد يعترف بأنه طائفي، وليس هناك نظام واحد يقر بطائفيته أو يسمح لمواطنيه بالحديث عن الطائفية أو حتي بالعمل علي التخلص منها أو بالمطالبة بتقييد انفلاتها، فالطائفية ليست موجودة في البلدان العربية، وتخشي الحكومات، كما تقول لغتها الكاذبة، أن يستحضرها الحديث عنها مثلما يستحضر الحديث عن الشيطان الشر. تري، من يخدع هذا الموقف، الذي يزج بنا في وضع مفارق، يجعل حياتنا خاضعة من جهة لاعتبارات طائفية ومذهبية وفئوية تقرر معظم جوانبها العامة وتفاصيلها، بينما يرفض كل واحد منا، من جهة أخري، الاعتراف بالطائفية أو الإقرار بوجودها ونفوذها، ولا يسمح أحد بمناقشتها كظاهرة خطيرة، ويكذب الجميع، حين يتحدثون عنها، فيزعمون أنها ظاهرة عابرة وعرضية وليست مشكلة معقدة. هكذا، وصلنا إلي حال تحتل الطائفية فيه موقعا حاسما، يجعلها موجودة في كل مكان، دون أن تكون تحت أي ضوء، خاصة ضوء العقل العام، الذي يمنع بالقوة والتخويف من اعتبارها مشكلة رئيسية، ويجبر علي التعامل معها باعتبارها لا شيء، أي غير موجودة، فمن المنطقي أن لا يكون من حق أحد ذكرها، لأن الحديث عنها يعادل اختلاقها وإغراق الأمة في مستنقع خانق، يعترف الجميع أنه جعلها في أسوأ حال هو مستنقع الطائفية البغيضة.

نشأت الحاجة إلي الطائفية الحديثة، أي السلطوية والمنظمة، من عجز النخب الحاكمة عن إسناد رؤاها وخططها وبرامجها ونظمها إلي حاضنة وطنية وقومية عامة، وتعززت من خلال بحثها عن حامل ما قبل وطني/ما قبل مجتمعي يحميها، وجدته في تكوينات مغلقة ذات قيم ومعايير خاصة، لم تنصهر في البوتقة المجتمعية علي أسس حديثة وجامعة، فاستندت إليها بما هي تحديدا تكوينات تتوجس من مجتمعها، ودخلت معها في علاقة مصالح ووجود. بمرور الوقت وترسخ الطائفية كنهج وكواقع، صار للنظم مصلحة في إلغاء ما في الهيئة الاجتماعية من مشتركات وقيم حديثة، ما بعد طائفية، فوقعت الكارثة، ودب الخراب، وأنجب النظام القائم عالما مقلوبا وضعه في مواجهة عدائية مع مواطنيه، بينما تحول أعداؤه في الخارج إلي حلفاء محتملين أو حقيقيين له. ومع أن من يقوضون المجتمع ويعتمدون علي تكويناته الطائفية لا يقرون بحقيقة ما يفعلونه، بل يديرون في أحيان كثيرة أسطوانات مناقضة للطائفية تتغني بالوطنية والقومية والعدالة والتقدم والحرية والدين والمساواة والإخاء بين البشر والمجتمع الحديث والمدني... الخ، فإن هؤلاء لا يفعلون في الحقيقة أي أمر إلا انطلاقا من معايير طائفية؛ معايير ترفض رؤية المواطن كفرد في دولة وعضو في هيئة مجتمعية، وتراه وتستخدمه كمنتسب إلي تكوين سابق للدولة والمجتمع ولاغ لهما هو الطائفة، التي كلما توطدت قضت علي ما حولها، وقامت بالعمل الذي يقوم به في العادة العدو الخارجي، حتي أن من تحكمهم نظمها يتساءلون باستغراب إن كانوا يعيشون في بلدهم وتحت حكم وطني، أم في بلد معاد وتحت حكم استعماري.

بقدر ما تكرس الطائفية، بقدر ما تعلن الحكومات، التي تقيمها وتستند إليها، براءتها منها، وتعتبرها جريمة يستحق من يقترفها العقاب والقتل، ومثل ذلك من يطرحها كمشكلة علي الوعي الوطني العام، وأخيرا من يطالب بالتخلص منها. ولعل أعظم غرائب الطائفية تكمن في أن من يرتكز عليها يعدها مؤامرة خارجية، لا رد عليها بغير اصطفاف مواطنيه وراءه، أي وراء نظامه الطائفي. ومن يراقب حياة العرب المعاصرة، ستذهله مفارقة غريبة حدها الأول إنتاج الطائفية المقصود، وحدها الثاني إدانتها واتهام الآخرين بها، وفي الوقت نفسه تغييبها عن برامج الأحزاب والقوي السياسية، وعن الوعي الوطني العام، واعتبار كل من يتحدث عنها أو يقاومها عميلا ضالعا في مؤامرة خارجية خبيثة.

ثمة، دون أي شك، جهد خارجي يستهدف تحويل المجتمعات العربية إلي تجمعات طائفية. ولا شك، بالمقابل، في أن من أضفوا طابعا طائفيا علي سلطتهم خدموا الخارج، ليس فقط لأنهم حالوا بين مجتمعاتهم وبين أن تكون حديثة وموحدة، بل كذلك قادرة علي المبادرة والصراع ومؤهلة للدفاع عن نفسها ومصالحها. ولا شك، أخيرا، في أن منع العقل المجتمعي والشعبي العام من طرح موضوع الطائفية بحرية وصراحة هو حلقة مهمة في سعي النظم إلي تأبيدها والإمعان في استعمالها سلاحا تغتال به بلدانها، لصالح خارج يعرف قيمة ما تقدمه إليه من خدمات، لذلك يتمسك بها، بعد أن حققت أعز أحلامه: هدم مجتمعاتها وتقويض دولها وتدمير مواطنيها، وإعدادها للسقوط في أول مناسبة.

لقد حان الوقت لطرح موضوع الطائفية علي الوعي العام، ولكشف مضامينها ومخاطرها ولتخليص الأمة منها، خاصة بعد أن أخذت الطوائف تتحول إلي أحزاب سياسية ودول، وشرعت تشق العالم العربي إلي عوالم، والإسلام إلي مذاهب، وتلعب أخطر دور يمكن تصوره في القضاء علي الحركة القومية والوطنية العربية الحديثة. ومن يتأمل ما يحدث في العراق، سيجد أن الطائفية أخذت تطيح بالإسلام وتقلبه من دين تسامح ووحدة إلي دين بغضاء وشقاق. وقد تفجره في مستقبل منظور في أكثر من بلد عربي.

هناك ظواهر يستحيل التعايش معها، أهمها في عالم العرب الحالي: الطائفية، الظاهرة التي ستقضي علينا، إذا لم ننجح في التخلص منها والقضاء عليها، في أقرب وقت وبكل ما لدينا من طاقات.

القدس العربي إلى أعلى

الصحوة الإسلامية

نضال نعيسة

خاص – صفحات سورية -

يحلو لكثيرين ممن يسكرهم حلو الكلام، وعذب القوافي وسجع المفردات، وحكايا الرومانس تعويضا عن حالة العجز النفسي والهوان وعدم القدرة على المنافسة الحضارية في الميدان، وتطربهم المظاهر الخادعة والصياح في الفراغ وسماع الأصداء، أن يطلق عما يراه من عبوس وتزمت، وتطرف، ومغالاة، وانتشار للجلاليب وإطلاق للحى، وفرض للحجاب، وهبوط في مستوى الوعي، وانتشار الجهل والأمية ومظاهر التخلف الشنعاء، واستسهال الحلول المعلبة الجاهزة من السماء، وعمليات غسل الدماغ، وتكفير الناس، واعتزال الفنانين، وتفريخ الدعاة، ورعاية الوعاظ من فئة النجوم الخمسة في فضائيات طويلي العمر وبراميل زيت الكاز، وأصحاب ربطات العنق الإيطالية ومادون ذلك من البذات الفاخرات، ونجوم كليبات الموت وقطع الأعناق، ومشاهد القتل والثأر والانتقام، وكثرة الكاسيتات لشيوخ البلاغة والخطاب، وقوة ذاك الحلف المقدس والمعلن مع أنظمة الاستبداد، وتحريم الفرح والاختلاط واللهو والموسيقا والابتسامات، وشحن الأجواء بالكراهية، والحقد، والاستعداء، وضخ الدولارات النفطية الهائل في قنوات الاستهبال، ومنع الاختلاط، وخلو المسلسلات من أية مظاهر غير محتشمة وحمداً لله على هذه النعم الوفيرة الطهراء، أو ظهور أي كأس ويسكي فيها أو "حليب السباع"، بأن يطلق على هذا كله ما اصطلح على تسميته بالصحوة الإسلامية، لدرجة أن أخذت العزة بالحلم، والحمية بمعظمهم بأن أطلق على تلك الدول البائسة التي تعيش القهر، والظلم، والإملاق من "طنجة إلى جاكرتا"(الشعار الرسمي لإحدى جماعات الإسلام السياسي) بالأمة الواحدة المتجانسة بكل ما فيها من تناقضات، وحروب وعداوات وثارات وملل ونحلل وطوائف وقبائل متناحرة وأقوام متناطحة وعشائر متنافسة، هكذا وبكل بساطة، ويريدنا أن نضحك على أنفسنا ونصدق كل ذلك الهراء.

فمن المعروف أن تلك "الصحوة"، إن كان هناك ثمة صحوة على الإطلاق، تزامنت مع صعود أسعار الدولار وبروز النفط كعامل فاعل وأساسي في الحياة الاجتماعية قبل السياسية في العالمين العربي والإسلامي. وقد ساعدت تلك الأفواج الهائلة التي يممت وجهها باتجاه الصحراء طلبا للرزق وتعدل في تفكيرها، وأسلوب حياتها، وفي مساراتها، وتعود لتفرضها فرضا في بلادها، مما ساعد في عملية نكوص حضاري سلوكي كبرى في هذه الدول، إضافة لانعدام وجود بديل نهضوي،أو مشروع سياسي واجتماعي واقتصادي عصري ومتكامل يأخذ على عاتقه مهمة التعويض المادي لما رآه الإنسان المحبط في هذه الأصقاع من عجز، وهزيمة، وهوان. وهنا ظهر دور الجماعات الإسلامية لاستغلال كمية الشحن القصوى المتراكمة بفعل الهزائم والنكسات الوطنية المتلاحقة، وانخرطت جموع لا متناهية من الشباب، وانضوت تحت تلك الألوية والبيارق الدينية التي ساعدت أنظمة الطغيان الحاكمة على نموها، وسهلت لها المهمة لتضرب عصفورين بحجر واحد. فالعصفور الأول ضمان ولاء وبقاء هذه الجموع الساخطة من الشبان تحت جنح السلطات بفعل الحلف المعلن بين السلطات الحاكمة، والسلطة الدينية الرمزية(وزارات الأوقاف، والمساجد، والجامعات، ودور الإفتاء)، التي يتم تعيين كوادها الكبيرة والصغيرة جميعاً بفرمانات، ومكرمات سامية من القصور الحاكمة والبلاطات. وأما العصفور الآخر فهو محاربة الفكر اليساري الذي كان سائداً وقتذاك، والقضاء عليه واتهام أتباعه بالكفر والإلحاد والزندقة والهرطقة وإلى ما هناك من أوصاف وتهم في وسائل الإعلام المملوكة للدولة حصراً. كما ساعد وضع كل تلك الوسائل الإعلامية، مجاناً وعلى طبق من ذهب لنشر كل تلك الأفكار ذات اللون الواحد والتي فعلت فعلها فيما بعد، إلا أنه انقلب السحر والحلف على الساحر، وأنتجت لنا تلك الممارسات ظواهر تاريخية خارقة من أمثال الشيخ أسامة بن لادن، والزرقاوي، والظواهري والصحراوي، و"الأبوات" الكثر الذين يثيرون الرعب، تيمناً بالسلف الصالح، والذين تضيق صفحات الأنترنت كلها عن ذكرهم وذكر أفعالهم ومآثرهم الخالدة على الناس.

وقد عنت هذه الصحوة فيما عنت، وبشكل متضارب كليا مع مفهوم الصحوة، العودة الجماعية والشاملة للوراء ودونما نقاش، لأغوار التاريخ الماضي السحيق الذي أفلتت بعض الدول للتو في الهروب والنجاة منه. ولذا اقتضى هذا استلهام أنماط سلوك ومظاهر خاصة تميز أصحاب هذه التيارات، وأزياءً تتماشى مع ذاك الغوص الطوعي الغرائزي في أعماق الزمان، واصطلح على تسمية هذا الشطط، والنكوص الفكري والسلوكي العام بالصحوة، فتأمل يا أيها الغافل عن هذه الصحوات العجيبة، وأين أنت من الأنام؟ لا بل يجادلون بقوة، ومدفوعين بدعم من أولي الأمر الألباب، بأن هذا هو الحل لجحافل الأزمات والمشاكل المستعصية الرابضة فوق رؤوس الناس. و اقتضت على الجانب السياسي والاقتصادي، و"بسبب انعدام نماذج عصرية ملائمة"، استنباط تجارب إنسانية أبوية هيراركية مشاعية رعوية غير علمية فاشلة ومريرة لتطبيقها من جديد على الناس، كالإعلان، مثلا، عن أن دولة الخلافة التي ذهب قتلاً وغدرا ثلاثة من خلفائها في أوج تألقها الزاهي الذي يفخر به هؤلاء، هي الحل والخلاص. ناهيك عن كل تلك النماذج المخجلة والهزيلة في عصور التفكك والانحطاط والحروب والدماء. دعوات حقيقية للعودة إلى هذه النماذج المنقرضة بعد أن ركنت طويلاً في متاحف الزمان وعلاها الصدأ والغبار، في عصر يمضي بسرعة البرق، والصواريخ البازلتية ذاتية الدفع وتحكمه بالكامل نظرية النسبية لليهودي العبقري والجني الألماني الخارق ألبيرت أينشتاين. ومحاولة إقحام كل ذاك إقحاماً إرهابياً ثقيلاً بالحياة العصرية مدعوما بالسيف والرصاص. وهذا، عملياً، من رابع المستحيلات، إذا لم يكن موتاً على البطيء وانتحاراً حضارياً بكل ما في الكلمة من معان ودلالات، وخروجاً مريراً من المضمار والسباق البشري العام.

في الخمسينات والستينات وقبل الطفرة النفطية، والصحوة الغيبية المزعومة، وبدون كل ذاك الحشو والضخ الفارغ والإقحام، كانت تتسم الحياة العامة بالمحافظة عموما وتمثل مكارم الأخلاق، وانعدام نسبي للرشوة واللصوصية والتشبيح والمافيات، وانتشار القيم والمبادئ السامية على حد ما، في جميع مجتمعاتنا المحافظة، واتسمت العلاقات الاجتماعية بالكثير من السلاسة والود والوصال والوئام، مع العلم أن المظاهر العامة لم تكن بذاك التغول الفاضح من محاولات فرض العقائد والاستئثار بالمشهد العام. وبعد الصحوة تغيرت الأمور كلياً، وانقلبت اللوحة رأسا على عقب، ووصلت الصورة إلى الآفاق ملطخة بأفعال أبطال الصحوات وصارت مظلمة شوهاء بشكل عام بعد الاسترسال في حلم السيطرة وفرض العقائد بالإكراه.

ولكي لا يفاجأ أحد من الناس، وتنهال التهم الجاهزة، والصفات المعلبة ، ووابل التكفيرات، نقول نعم نريدها صحوة إسلامية حقيقية لا شكلية كما دأب على تقديمها هؤلاء. ونتمنى من شيوخ الصحوة الكرام الأجلاء أن يحثوا على، ويتبنوا فعلاً صحوة في الضمير، وتمسكاً بالقيم والمبادئ، وثورة في مكارم الأخلاق، وحباً للعمل، وتقديساً للموهبة والإبداع، ونشراً للوعي والمعرفة، ونبذا للتعصب والمغالاة، ودعوة للتسامح، وإدانة للتكفير، وهجراً للبغضاء، ورغبة بالمنافسة الشريفة، واحتراماً للشعوب الأخرى والديانات والمقدسات، ومناهضة للعنصرية والتمييز والاستعداء والاستكبار، وكفاً عن دعوات القتل والتصفيات وقطع الرقاب، ونشراً للخير، وتعميماً للثراء، وقولاً للحق، وتجريماً للإرهاب، ومقارعة للظلم والطغيان والاستبداد، وحرباً بلا هوادة على الاستغلال واللصوص والمافيات، وفضحاً لأساليبهم المجرمة النكراء، وتحقيقاً للعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات والأرباح والخيرات، وتجسيداً لشفافية مطلقة في المعلومات، ونشراً لروح المحبة والتفاني السمحاء وثقافة الاحترام، ودحضاً لأية تبريرات، وأعمال تنال من كرامة الإنسان. لا الاقتصار على تلك المظاهر الخادعة التي لم تعن شيئاً على الإطلاق سوى العدم والفراغ، ولو قدمت أي شيء هام وفعال لما كانت حالنا بالنتيجة على هذه الحال، ولرفعنا لها القبعات احتراماً على أي إنجاز، ومهما بداً صغيراً في المعيار والميزان.

ومع كل ذلك المشهد المحزن العام الغافي عن آلاف المشكلات والمعضلات، والحامل لكل أسباب الصراعات والانفجار، وبعيداً عن كل التفاصيل الدقيقة التي تزيد في الجروح والإيلام، نختم بالقول، لقد "صحوا" صحوتهم المؤرقة الغفلاء، ويا ليتهم ما صحوا، وبقوا إلى أبد الآبدين في كمون، وهجوع، وسبات إلى أعلى

هل الديكتاتورية لاصق اجتماعي في المجتمعات؟

محمد سيِّد رصاص

تفككت البنى المجتمعية في يوغسلافيا والصومال والعراق بعد رحيل أو سقوط الديكتاتور الفرد، وفي الاتحاد السوفياتي عقب انهيار نظام الحزب الواحد، لتعود مكونات البنية للتمحور حول القومية أو الدين أو الطائفة أو القبيلة، حيث بنيت الكيانات الدولتية الجديدة حول بعض تلك المحددات أو أحدها (كما في دول الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا السابقين)، أو أصبحت القوى السياسية متأطرة عبرها في مجتمع يعاني من التفكك والصراع (كما في العراق والصومال)، ولو لم يصل الى مرحلة الانفصال الجغرافي بين مكوناته تلك.

هذا يعني أن الديكتاتورية السياسية نسبية، وكذلك الديموقراطية أيضاً، فالديكتاتورية لم تنشأ، في الحالات التاريخية المختلفة، نتيجة الطبيعة الشريرة للقادة السياسيين أو الحاكم الفرد، وإنما إما نتيجة لحالة فراغ اجتماعي، مثلتها فترة انتقالية يعيشها مجتمع بين مرحلتين لم تتبلور فيها الطبقات الاجتماعية الجديدة ولم تعد فيها الطبقات القديمة قادرة على الاستمرار بالحكم كما في حالة كرومويل ولويس الرابع عشر ونابليون، أو نتيجة اختلال التوازن الاجتماعي لغير صالح الحكام بعد ثورة أتت بهم للسلطة كما في حالة ستالين بين عامي 1929 ـ 1932 لما وجد البلاشفة أنفسهم بدون القاعدة العمالية التي أوصلتهم للسلطة في عام 1917 نتيجة خراب الصناعة بعد الحرب الأهلية والحصار الدولي وبدون الفلاحين الذين تحولوا الى جهة مضادة لهم بعد عقد من ثورة اكتوبر، وهذا ما دفع ستالين الى ممارسة العنف ضد الفلاحين في مرحلة الكلخزة (التجميع الزراعي) لتفادي عواقب اختلال القاعدة الاجتماعية التي أوصلت البلاشفة للسلطة، والى انشاء أخرى جديدة (كان العنف قابلتها) عبر التصنيع والتحديث القسري.

في العالم العربي، كانت الديكتاتورية تعبيراً عن مفاعلات اللااندماج في البنية المجتمعية، وعن ضعف القاعدة الاجتماعية للحاكمين، ليأتي العنف واقياً وترياقاً لها، إلا أنها أيضاً كانت مؤشراً الى انزياح طبقات، برجوازية في المدن الكبرى وفئات وسطى مدينية، لصالح الفلاحين والأرياف والبلدات الصغيرة (وهو ما لم يحصل في الغرب لما تولت البرجوازية حل المسألة الزراعية من خلال إطار مهمات التحديث والتمدين الرأسمالي)، حيث كان العسكر عنواناً لهذا الإنزياح، وهو ما رأيناه في فترة 1952 ـ 1963 في المنطقة الممتدة بين الجزائر وبغداد، فيما حصل هذا في ثورة إيران المدنية عام 1979.

في هذا الإطار، لم يكن الصراع بين الريف والمدينة ذا شكل اقتصادي ـ اجتماعي محض، ترجم نفسه في أشكال ايديولوجية ـ سياسية، وإنما كان يحوي مضمرات فئوية (كما في سورية، وفي العراق حيال الشيعة، المهمشين في الوظائف والتعيينات سواء كانوا ريفيين أو مدينيين منذ العهد الملكي) وإثنية (كما في الجزائر، لما أتت غالبية الفئة العسكرية الحاكمة من منطقة ريف الشرق الذي يحوي بربر الشاوية، وأيضاً في العراق لما كانت غالبية الفئة العسكرية الحاكمة بعد 1958 عربية من بلدات سامراء وتكريت والرمادي وأريافها واستبعد منها الأكراد بخلاف فترة انقلاب الفريق بكر صدقي عام 1936)، فيما نجد في مصر ان التحديدات في البنية الاجتماعية لضباط ثورة 1952 متعينة في كون غالبيتهم الساحقة من الريف.

كان فشل الديكتاتورية العسكرية عند العرب في المهمات القومية ـ الوطنية، وفي مهمات التحديث والتنمية ـ عاملاً أساسياً في ارتداد "المكونات المجتمعية" الى الإنتماءات الأولية، من دينية وطائفية فئوية وإثنية، وفي تداعي قوة التيارات الايديولوجية العابرة لتلك المكونات.

من هنا، كان الإنتقال الى الديموقراطية مترافقاً مع عملية تداعي وتفكك في البنى المجتمعية التي تعيش حالة اللااندماج، وهو ما رأيناه في الانتخابات العراقية الأخيرة، لما عبرت القوائم الفائزة عن تمترسات فئوية وإثنية ودينية، ولم تكن هناك سوى قائمة واحدة عابرة لتلك المحددات، هي قائمة رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، والتي لم تستطع الحصول سوى على (25 مقعداً) من مقاعد البرلمان البالغة (275 مقعداً).

السؤال الرئيسي الآن، هو: كيف يمكن لعملية الإنتقال من الديكتاتورية الى الديموقراطية، والتي تكتسب ديناميتها الآن من عوامل دولية تساهم في تفعيل المحلية، ان لا تكون طريقاً الى التفكك المجتمعي (أو الى تكريس اللااندماج عبر تقاسم دستوري للجبنة)، وإنما طريقاً الى وحدة مجتمعات تعاني من اللااندماج بين "مكوناتها"؟....

المستقبل إلى أعلى

نوروزونا كل يوم

مسعود عكو

خاص – صفحات سورية -

يقال أن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام, مر بقوم فضيفوه قطعاً من الحلوى, والأكل اللذيذ فسأل أحد السائرين معه من هؤلاء؟ قال: هم كرد يا أمير المؤمنين, فقال: ما مناسبة هذه الحلوى؟ فرد عليه الذي كان يسير معه: إن لهم عيد يسمى نوروز يقدمون فيه الحلوى, وما لذ, وطاب من الأكل, والطعام فضحك الإمام علي عليه السلام, وقال: "نوروزونا كل يوم".

آثرت في نفسي أن أورد هذه الحكاية حتى, ولو كانت غير حقيقة لكنني سمعتها من أكثر من شخص من الطائفة العلوية, وهم ليسوا كرداً, ويتفاخرون بأن الإمام علي عليه السلام قد بارك الكرد في عيدهم القومي, وهو النوروز, وغايتي في ذلك إرسال رسالة بسيطة إلى أغلبية رجال الدين عندنا, حيث يحرمون العيد بحجة أن لا عيد في الإسلام سوى عيد الفطر, وهو مكافأة الله عز وجل لعباده بعد شهر من الصوم, والعبادة والعيد الأخر عيد الأضحى الذي هو مكافأة للحاج على تلبية دعوة ربه, وكذلك تكريماً لسيدينا إبراهيم, وإسماعيل عليهما السلام.

كيف يكون النوروز حراماً, وأحد الخلفاء الراشدين يبارك الكرد في عيدهم, وينطلق الشيوخ, والملالي الكرد من تحريمه بحجة أن الخمر, والمنكر, والإباحية تكثر فيه, وكأن هؤلاء الشيوخ لا يرون ما هي برامج النوادي, و المطاعم في أعيادنا الإسلامية, ولا يتجرأ ذلك الشيخ, أو الإمام أن ينبس ببنت شفة.

نوروزنا, هذا اليوم المبارك, عندما لوى كاوا الحداد يد ذلك الدكتاتور الجبان أزدهاك, وحز رأسه, وحمله معه إلى ذرى الجبال برهاناً بخلاص الناس من الظلم, والاضطهاد, والغطرسة الذي فتك بالعباد لعدة عقود كما تفيد الأسطورة, وأضرم كاوا الحداد النيران على ذرى الجبال, وأعالي القصور التي كان يملكها أزدهاك معلناً بداية الثورة, ودحر عهود الظلام, والقهر, والاستبداد, وسرعان ما ألتف حوله الناس من كل حد, وصوب, وفتحوا المملكة, وتخلصوا من كل طغاة القصر, وأعلنوا أنفسهم حكاماً على البلاد, وبدأت سنين الحرية, والخير, والوئام بعدما كان الحاكم المستبد يقمع كل زهرة تتفتح, وكل وردة تبدأ بالانفتاح.

نوروزنا هذا اليوم الجديد التي أطلقت التسمية عليه شعوب هضبة إيران, وكردستان معلنين به ولادة يوم جديد يوم الخلاص من القهر, والظلم فأمت الفرحة بدل الحزن, والكآبة, والحرية بدلاً من التسلط, والظلم لينهوا بذلك عقوداً من الاستبداد, والاستعباد, والقتل, وسفك الدماء, وأعلنوا رحيل عقود الظلام, وبدأت أيام الحرية ببزوغ فجر هذا النوروز الذي أسل رسالة ملؤها الشجاعة, والحرية, والتصميم على دحر الطغاة, وكسر الغزاة والمستبدين الذين انهالوا على الأخضر, واليابس ولم يبقوا للعباد سوى الأسى, والحزن, والألم.

نوروزونا, هذا اليوم العظيم, الذي استطاع فيه رجل من عامة الناس أن يبلغ قصر ذلك الطاغية, وبدلاً من أي يقدموه قرباناً لقرونه التي تعودت على أكل أدمغة الشبان انهال عليه هذا الحداد القوي, وقد رأسه, وحمله معه كرسالة لكل طغاة الكون بأن لكل ظالم يوم, ولكل طاغية ساعة تنهي سنين ظلمه, وجبروته.

نوروزونا, الذي يجعلنا في كل عام نقدم قرباناً له دليل ولاءنا, وطاعتنا يسعدنا بأنه يأتي بيوم جديد, ونهار أخر, وفجر يبزغ من بين براثن الطغمة الفاشية النافية للأخر, والناقمة على كل الشعوب يجعل من الحياة شيئاً أخر, ويقلب الآية رأساً على عقب ممهداً الطريق لقدوم كاوا جديد يقارع الظلم, والقهر, والحرمان, ويبدأ من جديد إعادة سيناريو كاوا القديم ليحارب الظالمين في كل بقعة من هذه المعمورة.

نوروزونا, في هذا العام يعود, ومعه الربيع برائحة النسرين, والنرجس, وعبقه يملئ الأرض عبيراً, ونسمات الحرية التي ينتظرها ملايين البشر لخلاصهم من كل أزدهاك متسلط على رقاب العباد, ويعيد الحياة إلى سابق عهدها كما خلقها الله عز وجل, وتكفيه سنين الحرمان, والظلام إننا نهوى العيش بحرية, وسلام.

نوروزنا تحية لك في هذا العام, وفي كل عام وألف تحية لشهداءك الذين قدموا أنفسهم قرابين لك دون أن يبخلوا بذلك, وأعلم بان في كل عام هناك من يتوق أن يصبح هذا القربان فقط لكي ينعم غيره بالحرية, والخير, والوئام, وأعلم بأننا كلنا على أهب الاستعداد لنكون لك قرابين على الدوام متى ما شئت, وأردت, ولك منا كل فروض الطاعة, والولاء ولا تبخل علينا في هذا العام بأن نكون كغيرنا من شعوب هذه الخليقة, ولنجعل من يوم قدومك عيداً للفرح, والسعادة, ولنجعل كل أيامنا نوروزاً, ونقول كما قال الإمام علي عليه السلام: "نوروزونا كل يوم" إلى أعلى

قراءة مختصرة للراهن السوري

أمجد الرفاعي

يحاول النظام السوري إدارة معاركه على مختلف الجبهات التي تزداد مع مرور الزمن كمّاً ونوعاً.

ولا يخفى على أحد أن أعنف تلك المعارك وأشرسها هي تلك الهجمة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذاً لأجندتها الخاصة،ومصالحها،ومشاريعها المتصلة بالمنطقة وخصوصاً في العراق.

وتزداد هذه الهجمة حدّة كلما أوغلت الإدارة الأمريكية في سقوطها في الوحل العراقي التي ساهمت هي بذاتها،وبـ(فوضاها الخلاقة) في تشكيله !.

وفي هذا الميدان، فإن أهم الأسلحة التي ترفعها الولايات المتحدة في وجه نظام دمشق هي لجنة التحقيق الدولية المكلفة بالتحقيق في جريمة اغتيال الحريري.

وتعتبر التصريحات الأمريكية المتعلقة باللجنة ،أو تسريب بعض المعلومات المتعلقة بعملها،بمثابة مقياس حرارة سياسي،يقاس به مقدار ما يدور وراء الكواليس،أو ما يجري تحت الطاولة من صفقات،أو مقدار الشد والجذب الدائر بين الإدارتين السورية والأمريكية.

وعلى هذه الجبهة فإن النظام السوري فيما يبدو قد حقق بعض النجاحات ،واستطاع حتى الآن تجاوز المنزلقات والمطبّات الخطيرة التي وضعتها الإدارة الأمريكية في طريقه.

كما بدأت تظهر بعض المؤشرات التي تدل على أنه ربما كانت هناك صفقة ما، تحاول الأطراف المعنية عقدها بالخفاء، لخلاص الجميع من (مأزق) اللجنة المربك ،بتقديم بعض أكبش الفداء لهذه الـ(هيصة)الدولية التي آن الأوان لإسدال الستار على فصولها الأخيرة !.

الميدان الثاني الذي يخوض فيه النظام السوري معاركه مع الضغوط الخارجية، هو لبنان.

وعلى هذه الساحة أيضاً فمازال إلى أعلى

جبهة الخلاص .... هل تصنع الخلاص؟!

المدنيون الأحرار 19/03/2006 :

ليس بوسع سوري حريص على التغيير الداخلي في اتجاه الإصلاح العام إلا أن يرحب بكل حراك وطني يهدف إلى تجميع القوى وتنسيق الجهود. من هذا المنطلق نرحب بالإعلان الذي تم في بروكسل عن جبهة الخلاص الوطني وبدون التوقف الطويل عند الشكل والحيثيات نؤكد:

ـ إن كل ما طرح حول (الشكل) أو (الأسلوب) أو (الفرقاء) سيتساقط تلقائياً حين ستثبت الجبهة نفسها من خلال تطور نوعي في أداء المعارضة السورية. تطور يضعها عملياً على (خارطة) الشعب السوري الداخلية، وعلى الخارطة الإقليمية لشعوب ودور الجوار العربي، كما على الخارطة الدولية، فالكل يعلم أن المعارضة السورية لم تحظ حتى الآن بالاعتراف الدولي وأن النظام متقدم عليها في هذا المضمار.